عن التوجّه جنوباً - جنوباً

«إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب أن نعرف ماذا في البرازيل»
حسني البورظان
ساو باولو | يمكن اليوم استبدال إيطاليا بالصين في الحكمة «البورظانية» القديمة لنعرف ماذا يحصل في الكوكب الخارج عن الهيمنة الأميركية، أو في طور الخروج عنها. شهدت العاصمة الاقتصادية لأميركا الجنوبية ساو باولو الأسبوع الفائت اجتماعاً لوسائل إعلامية ومراكز بحثية من دول الجنوب للبحث في أطر تعاون جنوبيّ ــ جنوبيّ في وجه الهيمنة التي تطمس القضايا التي تخصّ هذه الدول. نظّمت الاجتماع المسمّى «منتدى دول الجنوب للإعلام والمراكز البحثية» وكالة «شينخوا» الصينية. هذا وأقيمت على هامش المؤتمر جلسة لمناقشة التعاون الجنوبيّ ــ الجنوبيّ بالعملات المحلية. في ما يخصنا في لبنان، فنحن بعيدون كلّ البعد عن البدء في مناقشة التداول مع دول أخرى بعملتنا الوطنية، وخاصة بعد العودة الكاملة إلى الدولرة في ما تبقّى من اقتصادنا بعد انهيار هرم «بونزي» رياض سلامة وشركائه في المصارف. لا شكّ في أن هناك تداعيات كبرى لكسر احتكار الدولار الأميركي للتجارة الدولية. الأرقام تشير إلى نمو أُسّي (exponential) في التعامل بين دول البريكس بالعملات المحلية خاصة بعدما حوّلت واشنطن دولارها إلى سلاح في وجه خصومها، ما يعني أنها مجرّد مسألة وقت حتّى تصبح التجارة بعملات غير الدولار، والأهمّ خارج نظام «SWIFT»، هي الشائعة.
أمّا عن الخطابات والنقاشات الأخرى، فكانت حارة «كلّ من إيدو إلو»، صحيح أن ما كان يجمع الحضور هو «جنوبيّته»، لكنّ هذا الجنوب يشمل فنزويلا وكوبا الثائرتين كما يشمل كوكبة نيوليبرالية من قارات الجنوب الثلاث. يسهل تفسير هذا التفاوت بين الحضور بالقول إنه «براغماتية» صينية في ظل غياب إطار أيديولوجي يجمع هذه الدول وصعوبة إقناعها بأنّ مصالحها تتضارب مع مصالح حيتان رأس المال المعولم، وخاصة عندما يكون الاستثمار الصيني في «مشاريع التنمية الاقتصادية» هو العنوان الرئيسي للعلاقات الثنائية بين الصين وكل من هذه الدول. لذلك يصعب التفاؤل بنشوء إطار تعاون جنوبيّ ــ جنوبيّ قريباً، ولكن لا بدّ أن تكثر المبادرات لاستيعاب عالم متعدّد القطبية.
من هي دول الجنوب وفقاً للأعلام المصفوفة حول قاعة المؤتمر؟ كلّ دول العالم إلّا تلك التي تقع في أوروبا (روسيا استثناء) وأميركا الشمالية بالإضافة إلى مستعمراتها في مجلس التعاون الخليجي وأوقيانيا واليابان وجنوب شبه الجزيرة الكورية وفلسطين المحتلّتين. الأخيرة وجبهة مساندتها كانتا غائبتين بشكل شبه كامل عن خطابات مندوبي إعلام دول الجنوب، باستثناء كلمتين لرفيقتين إحداهنّ من روسيا والثانية من تونس. طبعاً كلمات المنبر غير الأحاديث الجانبية. لن يتّهم أحدٌ رئيس البرازيل «اليساري» لولا دا سيلفا بالنيوليبرالية على منبر منتدى كهذا، لكن في الأحاديث الجانبية تكثر هذه الاتهامات. حتّى في الشارع كانت هناك تظاهرات لمجموعات يسارية ضد لولا وسياساته «المائعة» يوم الجمعة أثناء احتفالات البرازيل بـ «عيد الجمهورية». يتساءل كثيرون ماذا حصل لـ «لولا» بعد سجنه. الجواب الانفعالي هو أنّه باع القضيّة وخانها. موقفه من الإبادة في غزة معيب وموقفه من فنزويلا هو ترداد ببغائي لموقف جاك سوليفان في الإدارة الأميركية. بعض الرفاق البرازيليين يعزون تغيّر مواقف «الرفيق لولا» إلى أنّ معظم مستشاريه الراديكاليين الذين كانوا في دائرته الصغرى ماتوا في السنوات الأخيرة ولم يبقَ من يحدّثه إلّا كبير مستشاريه سيلسو أموريم اليمينيّ الهوى. لكنّ هناك أزمة يسار جنوب أميركا بشكل عام سببها لوثة السياسات الهوياتيّة، التي تسلّلت من ثقافة شمال القارة، وطغيانها على الصراع الطبقي في قارة ينتشر فيها الفقر رغم ثرائها بالموارد والشعوب… والهويّات.
من المبكر الحديث عن موقع لبنان في التعاون الجنوبي ــ الجنوبي في ظل المواجهة العسكريّة المباشرة مع المستعمر الأكبر. لكنّ هناك مستعمرين صغاراً، وسماسرة محليين لهم، يسنّون أسنانهم على «مشاريع تنمية» ما بعد الحرب. «لبنان الرسمي» لا عيون له إلّا للغرب منذ ما قبل «الاستقلال»، إنّها قصّة عشق مسمومة من جهة واحدة. لا نقول أن يرمي لبنان نفسه في حضن هذا البلد أو ذاك، أو أن ينتقل من علاقة مسمومة إلى أخرى. لكنّ هناك عالماً يحتضر، وعالماً آخر ممكن النشوء. ولا نقول إنه يجب التوجّه جنوباً، فلبنان جنوبيّاً كان، وجنوبيّاً يبقى.
* من أسرة «الأخبار»
